الأدب الرقمي العربي من نحن للاتصال رسالة الدكتوراه الأدب الرقمي الإسباني
تعريف

الذكاء الاصطناعي والأدب  أسئلة حول حقيقة المحاكاة وشرعيتها

 

زهور كرام
ناقدة وباحثة مغربية في الدراسات الرقمية


تمر البشرية مع الثورة الرقميّة بمنعطفٍ تاريخي يشهد على تحول جوهريّ في السياسة والاقتصاد والمجتمع. ويتجلى هذا المنعطف في الابتكارات والوسائط التكنولوجية ونوعية خدماتها، وفي المفاهيم ودلالاتها الجديدة، وفي التحول البنيوي لمختلف مناحي الحياة، مما أثر في العلاقات الاجتماعية والدولية، وفي نظام الاقتصاد والسياسة، كما انعكس ذلك وبشكل ملحوظ على القيم والتعاقدات المجتمعية للشعوب، مما أثر في المرجعيات والتمثلات.
وبالنظر إلى هذا المنعطف التاريخي التكنولوجي الذي تعيشه البشرية انطلاقا من الثورة الرقمية الثالثة، وظهور الشبكة، وتطور العامل الرقمي مع الثورة الرقمية الرابعة، بسلطة الذكاء الاصطناعي في تدبير حياة الإنسان وتعبيراته، وبلوغ التطور الرقمي منعطفا جوهريا مع الثورة الرقمية الخامسة، بظهور الروبوت وإنترنت الأشياء، فإن العالم يشهد منعطفا ثقافيا وذهنيا وتدبيريا مختلفا عن المنعطفات التاريخية السابقة، انعكس على حياة الإنسان في مختلف المجالات.
يشكل الذكاء الاصطناعي في هذا المنعطف التاريخي ثورة تقنية غيرت أوجه الحياة، ووضعت الإنسان في موقع جديد، جعلته يُفكر ويعبر بطريقة مختلفة.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد ولج قطاعات حيوية، فاقترح خدمات جوهرية، طورت الكثير من القطاعات، وأسهمت في تجويد خدماتها، وأوجدت حلولا سريعة وبجودة عالية لمشاكل قطاعات عديدة مثل: الصحة والفلاحة والتعليم والبيئة وغيرها، فإن ولوج الذكاء الاصطناعي عالم الرمز، ومحاكاته للإنسان في التعبير الأدبي، وتأليفه أدبا قد طرح أسئلة حول حقيقة هذه المحاكاة وشرعيتها الأدبية، وعلاقتها بمفهوم الخيال، وتحدياتها للمؤلف/ الإنسان وللعملية الأدبية باعتبارها إنتاجا رمزيا بشريا.
لقد دخل الأدب منذ انخراط الذكاء الاصطناعي في عملية الإنتاج الأدبي، وظهور أعمال أدبية أنتجها الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من التحديات التي تواجه منطقه وتأليفه وتلقيه ولغته وحقوق ملكيته.
لهذا، تتميز العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والأدب بالتعقيد والدهشة في الوقت نفسه، وتطرح تحديات كثيرة على ثقافة الأدب التي ارتبطت بمجموعة من المفاهيم ذات العلاقة بالمؤلف الإنسان، خاصة مفهوم الخيال. ولذلك، عبَّر مجموعة من المؤلفين والأدباء عن قلقهم من تهديد الذكاء الاصطناعي لأعمالهم الأدبية، كما حدث مع الروائية والشاعرة الكندية ” مارغريت أتوود” التي نشرت مقالة عام 2023 تحت عنوان” الذكاء الاصطناعي قتلني.. أو كاد”، والذي أدانت فيه استخدام النسخ المقرصنة من رواياتها لتغذية ما يسمى بالذكاء الاصطناعي التوليدي.
فهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكون أديبا؟؛
وهل يمكن قبول فكرة “روبوت كاتب”؟؛
وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يُبدع نصا أدبيا بمواصفات بشرية؟؛
هل يمكن التفكير في خيال الذكاء الاصطناعي؟؛
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاة العاطفة الإنسانية؟؛
وهل يستطيع أن يحل محل الكاتب؟؛
هل يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على إنتاج الرمز؟؛
هل يهدد الذكاء الاصطناعي الأدب؟ أم أنه فرصة للأدب لكي يتجلى بصيغ أخرى؟.
تلك مجموعة من الأسئلة التي تطرحها علاقة الذكاء الاصطناعي بالأدب، وتتطلب تفكيرا معرفيا وفلسفيا من أجل إنتاج وعي ثقافي وفلسفي بشرعية هذه العلاقة.
للاقتراب من هذه الأسئلة، نلتقي بأربع مقالات تحليلية لواقع علاقة الذكاء الاصطناعي بالأدب، لمبدعين وباحثين متخصصين في ثقافة الأدب الرقمي في المشهد العربي.
تنطلق مقالة “الأدب والذكاء الاصطناعي، رؤى متقاطعة” للباحث المغربي المتخصص في الدراسات الأدبية الرقمية الدكتور” إبراهيم عمري”(1) من اعتبار أي حديث عن لقاء التطبيقات الذكية بمجال الإبداع لن يكون في الوقت الراهن إلا بصيغة تساؤلية، وعلى سبيل التوقع والاحتمال. ولذلك، تُعاين المقالة تباينًا واضحًا حول نتائج اللقاء، والتحديات الآنية والمستقبلية التي يلقي بها على عاتق الكتّاب والمبدعين؛ بين مواقف مؤيدة، حيث يتكفل الذكاء الاصطناعي بكتابة رواية من ألفها إلى يائها بأقل تدخل من الإنسان، وأخرى معارضة تعاكس من جهتها منطق التطور العلمي. وتقترح المقالة في مرحلة لاحقة طريقًا ثالثًا قد يشكل حلًا وسطًا بين الإقبال الأعمى والرفض الكلي. وفضلًا عن كون هذا الاختيار ينسجم مع رؤية تفاؤلية تأخذ واقع التطور التكنولوجي بعين الاعتبار، فإنه يدعو إلى إحلال تفاعل بناء وواعٍ ومتوازن بين التكنولوجيا الرقمية والإبداع الإنساني، وإلى تعاون وحوار بينهما سيفضي من دون شك إلى إغناء التجربة الأدبية. لا جرم أن الطريق الثالث ما زال في بدايته، وآفاقه ما زالت مشرعة على كل الاحتمالات، لكنه يمهد السبيل إلى تفكير جدّي في ما يمكن أن تقدمه تطبيقات الذكاء الاصطناعي للكتابة الأدبية وللمبدع دون خدش كبريائه، مع استحضار وقعها على خطاباته، ووعي بما تتضمنه من مخاطر وإمكانيات وما تختزنه من تعقيدات وهوامش للحرية أيضًا.
أما المبدع الرقمي الأكاديمي العراقي الدكتور «مشتاق عباس معن”(2) فإنه يناقش في مقالته “الأدب والذكاء الاصطناعي جدلية الخوف والتعالي” موقف التلقّي العربي من فلسفة الجديد: إبداعًا وفكرًا، ويحاول تفكيك بطء الاستجابة التي تعاني منها النتاجات العربية؛ أدبًا ونقدًا، في ظلّ الثورة المعرفيّة الكونيّة الأخيرة، التي يقصد بها الثورة التقانيّة بمرحلتها الحاسوبيّة البدائيّة، أو الرقميّة المعقّدة، أو الطفرة الأخيرة التي تعدّ الأكثر تعقيدًا والمحدّدة بطفرة ذكاء الآلة وعبقرية النتاجات الاصطناعيّة.
ولا يخفى على المراقب لتاريخ حركيّة الشعوب المعرفيّة والأدبيّة أنَّ أهمّ المحطّات التي تواجهها موجاتُ التجديد، نكوصًا أو تحفيزًا، هي محطّة التهيّب من الجديد، بحيث تكون تلك المحطّة هي المُوجِّه لطبيعة الاستجابة: بطئًا أو سرعةً، بحسب نمط الخوف الذي سينشأ في ذهنيّة الجماعة المعرَّضة لتلك الموجة، فمرّة يكون الخوف خوفًا ثقافيًّا يتكوّن من مرجعيات موهومة تعزّز البطء في الاستجابة، وعادة ما تكون هذه المشهديّة في الجماعات ذات الطبيعة الاستهلاكيّة، بسبب جهلها بحيثيات الإنتاج ومآلاته، فتكون هذه الخلفيّة مسوِّغًا لإصدار الأحكام المعياريّة القبليّة التي لا تستند إلى أدلّة وبراهين علميّة تعين على الإجراءات العمليّة السليمة. ومرّة يكون الخوف خوفًا معرفيًّا يتكوّن من مرجعيات موثوقة تعزّز السرعة الحذِرة في الاستجابة، وعادة ما تكون هذه المشهديّة في الجماعات ذات الطبيعة الإنتاجيّة، بسبب وعيها بحيثيات الإنتاج ومآلاته، فتكون هذه الخلفيّة مسوِّغًا لإصدار الأحكام العلميّة التي تستند إلى أدلّة وبراهين يقيّنيّة تعين على الإجراءات العمليّة السليمة.
بعيدا من محطة التهيب من كل جديد، تُطور دراسة المبدع الرقمي الأردني ورئيس اتحاد كتاب الإنترنت العرب الروائي “محمد سناجلة”(3) المعنونة بــ”هل يهدد الذكاء الاصطناعي الأدب أم يمثل فرصة جديدة للإبداع” جدلية الخوف/ القبول، بالتركيز على الإمكانية التي يقترحها الذكاء الاصطناعي للأدب، مشيرا إلى أن المخاوف تجاه التكنولوجيا ليست جديدة، لكنها غالبًا ما تتحول إلى قبول بعد إثبات فائدتها، كما حدث مع المطبعة والإنترنت. ويبرز الكاتب القلق المتزايد في العالم العربي تجاه الذكاء الاصطناعي، مستشهدًا بتجربة الرواية الرقمية التي قوبلت بالرفض بدايةً، ثم لاقت قبولًا لاحقًا.
يرى بعض النقاد أن الذكاء الاصطناعي قد يُحدث ثورة أدبية عبر توليد نصوص إبداعية لا يمكن تمييزها عن الأعمال البشرية، كما أشار راي كورزويل في كتابه “التفرد التقني”. في المقابل، يحذر آخرون، مثل جيمس بريدل، من افتقار هذه النصوص للعمق والعاطفة البشرية.
تستعرض المقالة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الأدب، مثل الأدب التوليدي، الذي يشمل إنتاج قصائد وروايات، كما حدث مع قصة “اليوم الذي يكتب فيه الكمبيوتر رواية”. ورغم تطور هذه التقنيات، تظل النصوص بحاجة إلى تدخل بشري لتحسينها. كما تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لمساعدة الكتّاب في التدقيق وتحسين النصوص، لكنها لا تستطيع توليد إبداع حقيقي بمفردها، كما أوضح الكاتب ويليام كوندرز.
إلى جانب الإنتاج الأدبي، يُستخدم الذكاء الاصطناعي في التحليل الأدبي، كما في دراسة أسلوب شكسبير، وتحديد المساهمين في أعماله. ومع ذلك، يواجه الأدب المولد بالذكاء الاصطناعي تحديات مثل التحيز ونقص الأصالة.
ويخلص البحث إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة لتعزيز الإبداع، لكنه لا يمكن أن يحل محل الإنسان. من الضروري تحقيق توازن بين الاستفادة من هذه التقنيات والحفاظ على الأصالة الأدبية.
وسعيا للخروج من جدلية الخوف/ القبول، تذهب المبدعة والباحثة الرقمية المصرية الدكتورة “ريهام حسني”(4) إلى إضاءة الفاعلية الإيجابية التي يمنحها الذكاء الاصطناعي للأدب، من خلال مقالتها “الإبداع الأدبي والذكاء الاصطناعي: بين الأصالة والشراكة” التي تستكشف دور الذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية، متناولة إشكالية الأصالة والابتكار في ظل قدرة النماذج التوليدية على إنتاج نصوص أدبية متقنة. رغم التقدم الملحوظ في قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الأساليب الأدبية، فإنه لا يزال عاجزًا عن تحقيق الإبداع الإنساني القائم على التجربة الذاتية، الوعي، والعاطفة.
تستند المقالة على أفكار والتر بنجامين حول تأثير التكنولوجيا على الفن، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي يعيد إنتاج جدلية الأصالة مقابل التكرار، كما حدث سابقًا مع التصوير الفوتوغرافي والسينما. كما تبرز المقالة التحديات التي تفرضها هذه التحولات، بما في ذلك فقدان “الهالة” التي تمنح العمل الأدبي فرادته، إلى جانب القضايا الأخلاقية المتعلقة بالملكية الفكرية وتأثير الأتمتة على الممارسات الإبداعية التقليدية. ومع ذلك، لا يعني ذلك تهديدًا للإبداع البشري، بل يفتح الباب أمام أشكال جديدة من التفاعل بين الإنسان والآلة، مما قد يؤدي إلى نشوء أنماط سردية وهويات أدبية مبتكرة. في هذا السياق، تطرح المقالة تساؤلات مستقبلية حول إمكانية التعايش بين الذكاء الاصطناعي والإبداع الإنساني، ومدى قدرة الإنسان على استثمار هذه التقنيات لتعزيز إمكاناته الإبداعية بدلًا من استبدالها.
إذا كانت نظرية الأدب تشكل مختلف التصورات والمقاربات حول الأدب، وتقترح تمثلات متعددة لمفهوم الأدب انسجاما مع مستجدات وسائط التعبير الأدبي التي تعرف بدورها انتقالات تاريخية، فإن التفكير في علاقة الأدب بالذكاء الاصطناعي وفق الدعامات والوسائط التكنولوجية من شأنه أن يطور نظرية الأدب، ويجعلها أكثر انفتاحا على مستجدات التفكير في الأدب وهو يتجلى وسائطيا ورقميا.


الهوامش
1 – الدكتور إبراهيم عمري أستاذ التواصل وتحليل الخطاب بجامعة سيدي محمد بن عبدالله، الكلية متعددة التخصصات، تازة، المغرب، نشر العديد من الكتب والدراسات في الرواية والتواصل مثل: خطاب الرواية المغاربية، إلى جانب مقالات عديدة حول الأدب الرقمي.
2 -الدكتور مشتاق عباس معن أكاديمي عراقي بجامعة بغداد، كلية التربية، ابن رشد، قم اللغة العربية، شاعر رقمي، صدرت له عدة قصائد رقمية مثل “تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق” عام 2007م، والتي اعتبرها النقاد أول قصيدة رقمية عربية، إضافة إلى كتب نظرية في الأدب الرقمي.
3 – الدكتور محمد سناجلة، كاتب أردني، وأول مبدع رقمي عربي، ورئيس اتحاد كتاب الإنترنت العرب، له عدة أعمال سردية رقمية مثل: شات وصقيع وأعمال أخرى، ودراسات في الأدب الرقمي.
4 – الدكتورة ريهام حسني، زميل مشارك بمركز ليفرهيوم للذكاء الاصطناعي، جامعة كمبريدج، عضو هيئة تدريس بجامعة المنيا، ومبدعة رقمية، وكاتبة في الدراسات الرقمية، صدرت لها أول رواية بالواقع المعزز “البراح”.

 
تعريف
رسائل و أطاريح رسائل و أطاريح
المقالات العلمية المقالات العلمية
النقد الأدبي النقد الأدبي
الإبداعات الرقمية الإبداعات الرقمية
الرواية الرواية
الشعر الشعر
المسرح المسرح
القصة القصة
أدب الفايسبوك أدب الفايسبوك
الرواية التطبيق الرواية التطبيق
أدب الطفل الرقمي أدب الطفل الرقمي
أدب المدونات أدب المدونات
أدب التويتر أدب التويتر
أدب الواتساب أدب الواتساب
أدب المنتديات أدب المنتديات
أدب اليوتوب أدب اليوتوب